|
 |
مشتانا الحلوة اجتماعياً بين عام 1850 ـ 1950 |
|
لمحة تاريخية اجتماعية عن المشتى بين 1850-1950 |
مشتانا الحلوة اجتماعياً
بين عام 1850 ـ 1950

كان الناس في مشتانا الحلوة ، يعيشون متحابين ،
متآنسين ، متلاطفين ، يتزاوجون ، ويعيّدون ، ويحزنون جماعياً . فالسلام
على الجماعة ، والتحية على الجماعة ، عند الدخول ، والخروج ، والوداع .
وكان الفرح والحزن ، والأعياد مشاركة بين الجماعة ، وكان الترفيه ،
والطرب والانشراح للجماعة ومع الجماعة .
أما اليوم فالفردية هي المسيطرة ، وإليكم بعض
الممارسات الاجتماعية التي كانت سائدة :
1ـ الزواج :
كان المثل الشعبي الشائع يطبق " زوان البلد ولا قمح
جلب " . فابن المشتى لابنة المشتى والعكس بالعكس ، وكان الزواج المبكر
هو المفضل بين عمر / 14 ـ 24 / سنة ، وكان الزواج طبقي ابن العائلة
الغنية يتزوج ابنة العائلة الغنية ، وابن العائلة الفقيرة يتزوج ابنة
العائلة الفقيرة ، وكان الوضع الصحي الجيد للطرفين مفضّلاً ، الشـاب
الصحيح الجسم والقـوي البنية هو المفضّل يسـتطيع أن يقيم " المدحلة ـ
الجرن ـ المخل .... " ، والفتاة الممتلئة الجسم تنجب الأولاد الأصحاء
بالإضافة إلى قدرتها على مساعدة الرجل في أعماله الزراعية والحرفية
وغيرها ...
2ـ مراسم الزواج :
كانت مراسم الزواج تقام حسب الوضع العائلي ، المالي ، والاجتماعي .
ولائم ـ طبل زمر لأسبوع قبل الزفاف في دار العريس ، يوم الزفاف تحمل
العروس على ظهر حصان ، أو تمشي من بيتها إلى الكنيسة ، يرافقها الأهل ،
والمشاركون مع الطبل والزمر ، والهنهنات ، والزغاريد والرقصات ، ثم
إقامة القدّاس ، والمباركة للعروسين ، ورفعهما ، وتقبّل التهاني ،
والتمني لهما بالرفاه والبنين ، والحياة السعيدة .
أما فسخ
الزواج أو الطلاق ، فكان غير موجود ، ومحرّم عرفياً واجتماعياً ،
ودينياً " ما جمعه الله لا يفرقه إنسان " فالزواج كان مقدّساً
واستمراراً للعائلة والجنس البشري .
3ـ الأعياد الدينية :
مارس أبناء البلدة الاحتفال بعيدين دينين : الميلاد
وراس السنة ـ الفصح .
آـ عيد الميلاد ورأس السنة :
ذكرى ميلاد السيد المسيح يقام في 25 كانون الأول من
كل عام ، وهو عيد عائلي ، تجتمع فيه العائلة الصغيرة " الأب ، الأم ،
الأولاد " مع العائلة الكبيرة " الأجداد الأعمام ، الأخوال ، مع
عائلاتهم " في بيت كبيرهم بالسن أو بالوجاهة ، ويرتدي الجميع الثياب
والأحذيـة الجديدة ، ويشاركون في إقامـة التهـاني مع العائلات الأخرى ،
ويرددون كلمات العيد " المجد لله في العلا ، وعلى الأرض السلام ، وفي
الناس المسرة " .
وبعد
أسبوع تنتهي السنة ، ويكون عيد رأس السنة ، وهو عيد توديع سنة ماضية ،
واستقبال سنة آتية ، ويردد الجميع كلمات العيد " كل سنة وأنتم بخير ،
انشأ الله تكون هذه السنة الجديدة سنة خير علينا وعليكم ... " .
ب ـ عيد الفصح : ذكرى قيامة السيد
المسيح من بين الأموات ، وتوقيت العيد حسب التقويم الغريغوري
الأرثوذكسي ، يقع بعد عيد الفصح اليهودي الذي صُلِبَ فيه المسيح ،
وعيَّد اليهود على دمـه قائلين : " دمـه علينا وعلى أولادنـا " ،
ويقـام في هـذا العيـد نفس عيد الميـلاد من الاجتماع والصلوات ...
وسـلق البيض تيمناً بالولادة الجديـدة مع المسـيح مرددين كلمـات العيـد
" المسـيح قـام ـ حقـاً قـام " .
4 ـ الموت :
الموت نهاية الإنسان جسدياً . " اذكر يا إنسان أنك تراب والى
التراب تعود " ، وليس روحياً . " لا تحزنوا كبقية الأمم الذين لا رجاء
لهم . من آمن بي وإن مات فسيحيا " . وكان وقع الموت وأثره اجتماعياً
حسب سن الميت " طفل
ـ
شاب ـ
كهل ـ
عجوز " وحسب الجنس " ذكر
ـ
أنثى " . وحسب المسؤولية ، لديه إعالة وأطفال صغار ، وحسب وضعه
الاجتماعي " فاعل خير أو شر متعلم أو جاهل ، كريم أو بخيل ، منفتح أم
منغلق ، وجيه أو وضيع " . كل حالة لها أثرها الاجتماعي .
5 ـ وسيلة الإعلام عن الميت ، والدفن ،
والتعزية : دق جرس الكنيسة
ببطء وعلى فترات متباعدة ، تناقل الخبر ، اجتماع الأهل والمعزون ،
والمشاركون في دار الميت ، ثم حمله على الأكتاف إلى الكنيسة لإقامة
الصلاة ، والأخذ بالخاطر ، ودفن الميت في مدفن العائلة أو في التراب في
باحة الكنيسة حيث كانت تقوم المقابر . ويشارك المعزّون ، أهل الميت
لمدة ثلاثة أيام لتخفيف الأسى ، وتقام قداديس الذكرى للميت " التاسع ـ
العشرين ـ الأربعين ـ الستة أشهر ـ السنة " . ويردد المعزّون كلمات
الرحمة " الله يرحموا أو يرحمها ، عوضّنا الله بسلامتكم ... " ولا تزال
المشاركة الجماعية في الدفن قائمة احتراماً للموت " الموت حق وصدق " .
6 ـ أنشطة التسلية والترفيه :
مارست مشتانا الحلوة شتى أنواع النشاطات الترفيهية والمسلية ومنها :
آ ـ ألعاب الأطفال الذكرية :
جحش الطويل ـ السمّركة ـ النبوذ ـ الحيح ـ حيح الطيار ـ القاموع الكلل
ـ الطابة ـ البلبل ـ المستخباية ـ الركض ـ شد الحبل ...
ب ـ ألعاب الأطفال الأنثوية :
الكلل ـ الطابة ـ السمّركة ـ الجري ـ المستخباية ـ شد الحبل الجكوز ـ
الدويحة ـ الشبورة ...
ج ـ ألعاب الرجال :
طاولة الزهر ـ المنقلة ـ الشطرنج ـ دامة ـ لعب الورق ...
د ـ ألعاب النساء :
التبصير بالورق أو بالفنجان ، حياكة الصوف ، قراءة الكف والطالع ...
هـ الألعاب المشتركة وتمضية الليل :
الاستماع إلى حكايات الزير ، وعنتر وعبلى ، ودياب والزّناتة والاستماع
إلى الأغاني بمرافقة الآلات الموسيقة : طبل ، طبيلة ، زمر ، قصب ، مزوج
" أرغول " أو قصب منفرد " ناي أو شبابة " ، عود ، ربابة وغيرها من
الآلات الموسيقية .
و ـ ألعاب التحدي بين الشباب :
قيمة ( المدحلة ، الجرن ، المخل ... ) ، السباق ، الركض ، شد الحبل ،
المغالبة ، المآرفة ( الكباش ) ...
ز ـ ألعاب المبارزة بين الحيوانات :
قتـال الديكة ، قتـال الكلاب ، سباق الحمير ، والخيول ...
ح ـ الألعاب المدمرة للأسرة والمجتمع :
لعب الميسر " القمار " والشائع منه : " البلوف ، البكرة السبعة والنصف
، الطرة والنقشة ... "
7ـ الأنشطة الصحية :
مارست سيدات مشتانا الحلوة الطب الشعبي بإخلاص ومحبة وبدون مقابل وكان
متعدد الاختصاصات نذكر منه :
آ ـ طب الولادة :
مارسته المرحومة السيدة زهية الياس سلوم أم جرجي زوجة حنا الزخور طيلة
فترة حياتها العملية مجاناً ، وبدون مقابل ، مستعملة يديها ، وقلبها ،
وإيمانها بالخلاص ، وكانت فرحتها لا تقل عن فرحة أهل المولود ، وكانت
تزور المرأة الواضعة ، وتغسل الولد ، وتملحه لمدة أسبوع وتتقاضى مقابل
ذلك حلوانة وليس أجراً ، رحمة الله عليها وأسكنها فسيح جناته لعملها
الإنساني .
ب ـ طب تجبير العظام :
مارسته المرحومة السيدة مريم زخور عبدالله ( أم الياس ) زوجة مخائيل
الياس حنوش ، مستعملة القصب ، والطحين ، والبيض ، والقماش لتجبير
العظام وإعادة العظام المكسورة والمخلوعة إلى مكانها ، ولم يعطل معها
أي مكسور أو مخلوع ، وبدون مقابل ، وكانت فرحتها لا تقل عن فرحة
المكسور أو المخلوع بعد شفائه ، رحمة الله عليها وأسكنها فسيح جناته
لعملها الإنساني .
ج ـ طب الأسنان :
مارسته المرحومة السيدة عفيفة قزما فرح ( أم جرجس ) زوجة حنا الأنيس
مستعملة الكلبة الحديدية لقلع الأسنان المسوسة ، بدون مقابل ، وفرحتها
لا تقل عن فرحة الموجوع بعد شفائه ، رحمة الله عليها وأسكنها فسيح
جناته لعملها الإنساني .
د ـ طب العيون :
مارسته المرحومة السيدة درة عبود بيطار ( أم ليان ) زوجة حنا ليون
الزعيم مستعملة الشرنقة الحريرية المبيّضة لنزع الوقوعات من الأعين
وبدون مقابل ، وكانت فرحتها لا تقل عن فرحة المصاب بعد شفائه , رحمة
الله عليها وأسكنها فسيح جناته لعملها الإنساني .
إن الطبابة الشعبية كانت في مشتانا
الحلوة نسائية ، لأن النساء هنَّ أهل الرحمة والعطف وصاحبات المعروف ،
حتى طبق المثل الشعبي عليهن : " يلي ما عندو حدا من النسا بينتسى
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ... " . أما الطبابة الداخلية
، فكانت بيتية وشائعة مثل تناول الزهورات ، إلى الحجامة ، إلى فصد الدم
، إلى شيل الوتاب أو رفعه ، إلى غسيل الأرجل بالماء الساخن ، أو
بالملح ، إلى فقشة الرصاصة ، إلى الرقوة ، إلى الصلوات والتضرعات ،
والنزوات ...
8ـ
أنشطة الملبوسات والمأكولات : كان
يلبس عبر الزمن ثوبان الأول رسمي ويلبسه مرتان : الأولى عند الزفاف
والثانية عند الوفاة ، والثاني عادي يلبسه على مدار السنة ، ويتألف من
الطربوش أو لبادة مع كوفية وعقال ، وجاكيت ، وصدرية ، وقميص خارجي
وداخلي ، وكنزة وشروال بالداخل والخارج أو قمباز ، وكلسات صوف في فصل
الشتاء ، وحـذاء ، جزمـة ، أو صبـاط " مداس أو مسطار " أو صندل " شاروخ
" ، حسب وضع الرجل المالي . أما النساء فكنَّ يلبسّن لفحة على الرأس أو
شال ( طرطور ) بشكل قمع مصنوع من الحرير البلدي أو الكتان أو القطن ،
حسب الوضع المالي للمرأة ، وفستان طويل حتى الأرض وتحته كنزة وملبوسـات
داخليـة وكلسات صوف بالشـتاء وسكربينة أو كنـدرة " مداس أو مسطار " أو
صندل " شاروخ " حسب وضع المرأة المالي .
أما
المونة فكانت هي الأساس للاستهلاك طيلة فترة السنة وهي : برغل ، عدس ،
حمص ، فول حبوب متنوعة للطحين ( قمح ، شعير ، ذرة ... ) سمن ، زيت ،
زيتون ... أما المأكولات المفضلة والدائمة فهي : المجدرة ، الكبة ،
السويديات ، الشوربة ، الرشته ، الكشك ، الهريسة ... أما الخضروات
والفواكه ، فكانت تؤكل في مواسمها : كالبندورة ، والباذنجان ، واللوبية
، والخس والملفوف ... وغيرها . أما الحلويات فكانت تين مطبوخ أو مقدد ،
زبيب ، ملبن ، برما ، نمورة تلاج ، أقراص مبسبسة ، جوز ، لوز بلوط ،
قرطم ، حنبلاس . وكان الرجل والمرأة شمعة تذوب أمام الأولاد يطبق عليهم
المثل الشعبي " ما بيربى جيل حتى يفنى جيل " . أما اللحومات فكانت
أسبوعية أو شهرية لمرة واحدة ، وكانت الحياة تسير بسلام ، وبساطة ،
وكفاية ، وسعادة ، وهناءة.
9ـ الأنشطة الدينية والاختيارية (
المختار ) :
آ ـ كهنة البلدة :
كان الكهنة يجيدون الصلوات والتراتيل بألحان
موسيقية بيزنطية ، يتوارثون عملهم أباً عن جد ، نذكر من هؤلاء مطوبي
الذكر : الخوري حنا الحداد ، وابنه الياس ، الذي في عهده بُنيت كنيسة
السيدة بين عام 1890 ـ 1900 بمساعدة المؤمنين والخيرّين . والخوري عبد
المسيح وابنه حنا ونسيبه إبراهيم من بيت الخوري . والخوري جبرائيل عيد
الأول وابنه جبرائيل عيد الثاني من بيت مراد مسلَّم " عيد " . والخوري
يوسف ، وابنه بولص ، ونسيبه عيسى من بيت الحلو والخوري عيسى المقدسي
الملقب " بالقرى " لأنه كان يعلّم الأولاد مبادئ القراءة ويحفظهم
الإنجيل والمزامير ، ويؤخذ التلميذ بعد إتمام فترة التلقين والحفظ إلى
والديه ، ويدفـع حلوانة إلى الكاهـن " القرى " وحلويات تهنئة إلى رفاقه
التلامذة من قبل أهل التلميذ الذي أنهى قراءته وتعليمه . والخوري
إبراهيم الصباغ من بيت الصباغ ، وفي عهده بنيت كنيسة مار الياس عام
1846 بمساعدة المؤمنين والخيرّين . وكان الكهنة يقومون بمراسم الزواج ،
والعمادة ، والوفاة . وكانوا يصلّون للغائب حتى يعود ، والصلاة على
الزيت حتى يتبارك ، وعلى الماء ، وعلى المرضى حتى يشفوا ، وعلى
الحيوانات وعلى الغلال حتى تزداد . وكان الإيمان الطوباوي السائد يريح
الناس ويشعرون أن هذه الصلوات والابتهالات هي الطريق الوحيد للخلاص من
الأوجاع والآلام ، ولطرد الأعين الشريرة . وكان كهنة المشتى خادمي رعية
المشتى والجوار ، وكان الكاهن يسـمّى الراعي وتناديه الرعية ، الأب
الروحي للرعية ، فهو أبوها ، وابنها ، وخادمها ، وراعيها ، بدون مقابل
تقريباً أو بأجر زهيد جداً ، بضع قروش تجمع من المؤمنين في الصينية
أثناء القداس . أما كنيسة السيدة في مشتانا الحلوة ففيها نقوش ورموز من
الخارج والداخل ، تدل على الفلسفة المسيحية وهي نادرة الوجود في غيرها
من الكنائس ، وهي مشروحة من قبلي بدلالات الإنجيل المقدس ومنشورة على
الانترنيت في موقع " مشتاوي "
www.mshtawy.com .
ويوجد خارج البلدة كنائس ومزارات منها : كنيسة السيدة على جبل السيدة
تقام عليه الصلوات في ذكرى انتقال السيدة مريم العذراء في 15 آب من كل
عام من هذه الديار الفانية ، إلى جوار الخالق جلَّ جلاله ، ويجتمع
الناس في الجبل من شتى البلدان ، والنحل ، والملل ، للصلوات ، والتبرك
، والتعارف ، والتقارب ويكون الاجتماع في هذا المكان للعبادة ، والمحبة
، كما أنه يوجد مزار مار يوحنا في بيت سركيس
ب ـ مختاري البلدة :
كان المختار وجيه البلدة ، وهو المرجع الأمني ، والسياسي ، والإداري
والقضائي ومنزله للضيافة وإيواء الناس المسافرين ، وقاصدي البلدة ، وهو
شيخ الصلح ، مهمته فض الخلافات بالحسنى ، وتقريب وجهات النظر نذكر منهم
: هيـكل الحـلو ـ سـليم العـوض قبلان قبلان ـ توفيق الخوري ـ ديب اسبر
ـ دميانوس عجي ـ ديب الزخور . ولكل واحد منهم ماضيه ، ونكهته ...
مشتانا الحلوة في 20 / 2 / 2007
الدكتور
جورج حنوش
|